الآلوسي

98

تفسير الآلوسي

* ( وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةٌ ) * وهي ما كانت بخلاف الحسنة ، ومنها الشفاعة في حد من حدود الله تعالى ففي الخبر : " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله تعالى في ملكه ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله تعالى حتى ينزع " واستثني من الحدود القصاص ، فالشفاعة في إسقاطه إلى الدية غير محرمة * ( يكُن لَهُ كفْلٌ مِّنْهَا ) * أي نصيب من وزرها ، وبذلك فسره السدي والربيع وابن زيد وكثير من أهل اللغة ، فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة ، وبالكفل في الشفاعة السيئة للتفنن ، وفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة ، والكفل هو المثل المساوي ، فاختيار النصيب أولاً لأن جزاء الحسنة يضاعف ؛ والكفل ثانياً لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ، ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده ، وقال بعضهم : إن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى : * ( يؤتكم كفلين من رحمته ) * ( الحديد : 28 ) فلذا خص بالسيئة تطرية وهرباً من التكرار * ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُّقيتاً ) * أي مقتدراً - كما قاله ابن عباس - حين سأله عنه نافع بن الأزرق واستشهد عليه بقول أحيحة الأنصاري : وذي ضغن كففت النفس عنه * وكنت على مساءته ( مقيتاً ) وروي ذلك عن جماعة من التابعين ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه الحفيظ واشتقاقه من القوت ، فإنه يقوي البدن ويحفظه ، وعن الجبائي أنه المجازي أي يجازي على كل شيء من الحسنات والسيئات ، وأصله مقوت فَأُعِلَّ كمقيم ؛ والجملة تذييل مقرر لما قبلها على سائر التفاسير . . * ( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً ) * . * ( وَإذَا حُيِّيتُم بتَحيَّة ) * ترغيب كما قال شيخ الإسلام : في فرد شائع من ( أفراد ) الشفاعة الحسنة إثر ما رغب فيها على الإطلاق وحذر عما يقابلها من الشفاعة السيئة ، فإن تحية الإسلام من المسلم شفاعة منه لأخيه عند الله عز وجل ، وهذا أولى في الارتباط مما قاله الطبرسي : " إنه لما كان المراد بالسلام المسالمة التي هي ضد الحرب - وقد تقدم ذكر القتال - عقبه به للإشارة إلى الكف عمن ألقى إلى المؤمنين السلم وحياهم بتحية الإسلام " ، والتحية مصدر حيي أصلها تحيية - ( كتتمية ) ، وتزكية - وأصل الأصل تحيي بثلاث ياءات فحذفت الأخيرة وعوض عنها هاء التأنيث ونقلت حركة الياء الأولى إلى ما قبلها ، ثم أدغمت وهي في الأصل كما قال الراغب : الدعاء بالحياة وطولها ، ثم استعملت في كل دعاء ، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضاً تقول : حياك الله تعالى ، ثم استعملها الشرع في السلام ، وهو تحية الإسلام قال الله تعالى : * ( تحيتهم يوم يلقونه سلام ) * ( الأحزاب : 44 ) وقال سبحانه : * ( فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ) * ( النور : 61 ) ، وفيه على ما قالوا : مزية على قولهم : حياك الله تعالى لما أنه دعاء بالسلامة عن الآفات ، وربما تستلزم طول الحياة ، وليس في ذلك سوى الدعاء بطول الحياة أو به وبالملك ، ورب حياة الموت خير منها . ألا موت يباع فأشتريه * فهذا العيش ما لا خير فيه ألا رحم المهيمن نفس حر * تصدق بالممات على أخيه وقال آخر : ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبا * كاسفاً باله قليل الرجاء ولأن السلام من أسمائه تعالى والبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته أي إذا سلم عليكم من جهة المؤمنين